قراءة عملية في النص والتطبيق في ضوء تعديل المادة (137) بقرار بقانون رقم (17) لسنة 2014
إعداد: قسم القضايا الجنائية – شركة فريحات محامون ومستشارون
مدخل عام: الحرية الشخصية كعنوان للعدالة
تُعدّ الحرية الشخصية من أقدس الحقوق التي كفلتها الشرائع السماوية، وأكدتها المبادئ الدستورية، وجعلتها القوانين الجزائية في صدارة منظومة الحماية القانونية.
وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن الأصل في الإنسان هو الحرية، بينما يبقى التوقيف والحبس الاحتياطي استثناءً لا يُصار إليه إلا عند الضرورة، وبالقدر الذي تفرضه مصلحة التحقيق أو المحاكمة، وتحت رقابة قضائية فعّالة.
وقد عبّر الفقه الجنائي عن هذا المعنى بعبارات خالدة، منها:
“لأن يفلت ألف مذنب خيرٌ من أن يُظلم بريء واحد.”
وهو مبدأ لا يزال يشكّل جوهر العدالة الجنائية الحديثة.
الإفراج بالكفالة: ضمانة تشريعية في مواجهة التوقيف
نظّم المشرّع الفلسطيني الإفراج بالكفالة ضمن المواد (130–148) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001، بوصفه ضمانة تشريعية تهدف إلى تحقيق الغاية ذاتها التي يقوم عليها التوقيف، وهي ضمان حضور المتهم وعدم تهربه، ولكن بوسيلة أقل مساسًا بالحرية الشخصية.
وقد استقر قضاء محكمة النقض الفلسطينية على أن الإفراج بالكفالة: لا يُعدّ إنهاءً للتوقيف، وإنما تعليقًا له على شرط، ويبقى المتهم خاضعًا لسلطة المحكمة طوال نظر الدعوى.
وهذا الفهم يؤكد أن الكفالة ليست خروجًا على العدالة، بل أحد أدواتها الأساسية.
“إخلاء السبيل” كمصطلح عملي متداول
يُستخدم مصطلح “إخلاء السبيل” في الواقع العملي للدلالة على طلب الإفراج بالكفالة، وهو مصطلح مستقر عرفًا، وإن كانت دقته القانونية تقتضي الإشارة إلى أن الإخلاء المقصود هو إخلاء سبيل مقيد بضمان.
ولا خلاف في الجوهر بين المصطلحين، طالما أن الإفراج لا يتم إلا وفق الضوابط التي رسمها القانون.
ملاحظات من التطبيق العملي أمام المحاكم
من خلال الممارسة العملية، يلاحظ أن طلبات إخلاء السبيل تمر غالبًا بمسار إجرائي يكاد يكون ثابتًا:
-
تقديم الطلب إلى قلم المحكمة.
-
إحالته إلى النيابة العامة لإبداء الرأي، حيث تبدي النيابة غالبًا معارضة لإخلاء السبيل، ولا توافق إلا في حالات محدودة.
وتأخذ المحاكم في كثير من الأحيان بمشروحات النيابة العامة، ولا تُخالفها إلا نادرًا، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى التوازن العملي بين طرفي الخصومة، ودور المحكمة في حماية الحرية الشخصية.
تعديل المادة (137): الأساس القانوني لاستطلاع رأي النيابة
بموجب القرار بقانون رقم (17) لسنة 2014، عدّل المشرّع المادة (137) لتصبح على النحو التالي:
“تنظر المحكمة في طلبات الإفراج بالكفالة تدقيقًا بعد استطلاع رأي النيابة العامة، إلا إذا طلب ممثل الدفاع أو النيابة النظر فيها مرافعة ووافقت المحكمة على ذلك.”
وبهذا التعديل، أصبح استطلاع رأي النيابة العامة منصوصًا عليه صراحة، بعد أن كان غير وارد في النص الأصلي للقانون.
قراءة عملية هادئة للتعديل وأثره
لا خلاف على حق النيابة العامة، بوصفها خصمًا عامًا، في إبداء موقفها من طلبات إخلاء السبيل.
غير أن الإشكالية التي أفرزها التطبيق العملي تتعلق بطبيعة الصياغة، وبالأثر الذي ترتب عليها.
فالتعبير عن الإجراء بعبارة “استطلاع رأي النيابة العامة”، بدلًا من تمكينها من الرد، قد أفضى عمليًا – في بعض الحالات – إلى إعطاء انطباع بأن موقف النيابة يُعدّ شرطًا لازمًا أو عنصرًا مرجحًا لاتخاذ القرار، لا مجرد رأي ضمن خصومة متكافئة.
وكان من الممكن، تشريعيًا، تحقيق ذات الغاية عبر صياغة أدق تحفظ: حق النيابة في الرد، واستقلال المحكمة في اتخاذ القرار، دون ترجيح ضمني لكفة الاتهام.
ملاحظات تطبيقية تستوجب التوقف عندها (بروح مهنية)
لوحظ في بعض التطبيقات العملية، ومن خلال ما يُتداول في قاعات المحاكم، صدور عبارات أو ممارسات تستوجب التوقف عندها بحذر ومسؤولية، من قبيل:
-
ربط إخلاء السبيل بموقف النيابة العامة بصورة توحي بأن الإفراج لا يتم إلا إذا وردت عبارة “لا مانع” من النيابة.
-
توجيه الدفاع، في بعض الحالات، إلى مراجعة النيابة للحصول على موافقتها كمدخل لإخلاء سبيل المتهم.
وإيراد هذه الملاحظات لا يُقصد به التعميم أو الانتقاص من أي جهة، وإنما تسليط الضوء على ممارسات فردية أو محدودة، قد تؤدي – إن استمرت – إلى إفراغ الضمانة التي أرادها المشرّع من مضمونها.
فالنيابة العامة، مع كامل التقدير لدورها، تبقى خصمًا في الدعوى، في حين أن المحكمة هي الجهة المنوط بها دستوريًا وقانونيًا حماية الحقوق والحريات، والفصل بين الخصوم باستقلال وتجرد.
بين حق الدفاع وحق الاتهام
إن العدالة الجزائية لا تقوم على توازن شكلي بين الدفاع والاتهام، بل على مبدأ أسمى، هو أن:
-
حق الدفاع مقدس،
-
قرينة البراءة قائمة حتى صدور حكم قطعي بالإدانة،
-
والحرية تظل هي الأصل الذي يُصار إليه متى أمكن.
والتعامل مع موقف النيابة بوصفه عنصرًا حاسمًا في قرار إخلاء السبيل، قد يؤدي – دون قصد – إلى تغليب منطق الاتهام على منطق العدالة، وهو ما يتعارض مع روح القانون وغاياته.
رأي مهني
من وجهة نظر مهنية قانونية، فإن تعزيز الثقة بالعدالة الجزائية يقتضي:
-
التأكيد العملي على أن الإفراج بالكفالة هو الأصل متى انتفت مبررات التوقيف.
-
التعامل مع رأي النيابة العامة بوصفه رأيًا ضمن الخصومة، لا شرطًا لازمًا للقرار.
-
تفعيل البدائل التي أتاحها القانون، كالتوقيع الدوري أو تحديد محل الإقامة، بدل التوسع في التوقيف.
-
إعادة النظر تشريعيًا – عند الاقتضاء – في صياغة المادة (137)، بما يحقق التوازن بين إشراك النيابة وضمان استقلال القرار القضائي.
إن حماية الحرية الشخصية لا تُضعف هيبة العدالة، بل تعززها، وتُرسّخ القناعة بأن القضاء هو الحصن الأخير للحقوق والحريات.
خاتمة
الإفراج بالكفالة ليس استثناءً عابرًا، بل هو أحد أعمدة العدالة الجزائية.
وأي ممارسة تُحيله إلى إجراء نادر، أو تربطه بموافقة جهة الاتهام، تستدعي مراجعة هادئة ومسؤولة، حرصًا على:
-
روح القانون،
-
صون حرية الإنسان،
-
وتعزيز ثقة المجتمع بالقضاء.
